الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » المشهد الثقافي

ادوارد سعيد... مناسبة مستمرة

خيري منصور

 

 

تنامى لديّ في الأعوام الأخيرة إحساس بأن الاحتفاء الفلسطيني والعربي الى حدّ ما بشعراء ومفكرين وأكاديميين، مثل محمود درويش وادوارد سعيد وإحسان عباس وهشام شرابي وفدوى طوقان وجبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وآخرين هو من قبيل تضميد نرجسية قومية جريحة، بحيث يتخطى التباهي بأسمائهم في معزل عن إبداعهم النقد في بعده الجمالي، لهذا ما ان توارى هؤلاء حتى خفتت الأضواء حولهم، وما تبقى هو تطقيس وترميز وأيقنة، فإدوارد سعيد نادرا ما نقرأ عنه باللغة العربية، وان كان مستمر الحضور باللغات الأخرى خصوصا الانكليزية، واكثر من ذلك منعت كتبه في فلسطين، بعد صدور كتابه في نقد اوسلو.
ومحمود درويش لم يمر على رحيله غير بضع سنوات حتى تعرّض لاعادة انتاج من خلال مرجعياته الشعرية وبالتحديد الميثولوجي منها، بحيث أصبح عبر إعادة الإنتاج مجرد صائد مقاطع شعرية مُنتزعة من سياقاتها.وجبرا الذي مات في بغداد بعد ان أغرقها الظلام، أكمل القصف المهمة، ضمن متوالية قتل الموتى في ثقافة العرب المعصورين وليس المعاصرين، فتوارت مسوداته ورسومه وبعض مخطوطاته ووثائقه تحت اطلال بيته في شارع الأميرات ببغداد المحتلة. وإحسان عباس ناءت جدران منزله بكتبه فتشردت وكأنها تعيد سيرة حياته في طبعة منقّحة تليق بما انتهى اليه اللجوء الفلسطيني الموعود بالعودة إلى نزوح ومن ثم إلى مصطلح جديد اجترحه المنفى القومي اسمه'العالقون'.
وهشام شرابي لم يكن أفضل حظا في رحيله شبه السرّي، وان كان قد تنبأ بذلك على نحو غير مباشر في كتابه 'الجمر والرماد'، عندما اسدل الستارة على نافذة الطائرة وهو يغادر بلاده قائلا: لن اعود اليك يا وطني.
أما غسان الروائي والقاص والمترجم والناقد والمسرحي والصحافي فقد اختُزل بمرور الوقت إلى مجرد شهيد، ورغم الحفيف التراجيدي لهذه الصفة الباسلة الا أنها استخدمت لحجب المبدع وراء الناطق السياسي باسم فصيل فلسطيني، وان كان هو الآخر قد امتلك من طاقة الحدس ما جعله يجازف بكتابة عائد الى حيفا ليقول بأن من عجزوا عن دق الخزان ومن أصابتهم العنّة الجنسية نسوا أو تناسوا جيلا كاملا من صلبهم بقي في المناطق المحتلة سنة 1948وفي حضن الدولة العبرية الأشبه بالقنفذ فأصابتهم العنّة الوطنية، اما فدوى طوقان فقد كفى الله والشعر معا من ودّعوها بالكنافة المرة شرّ النقد والمراجعة، وقد ينتهي الامر بهذه السلالة الى ان تهجع على يافطات نحاسية على نواصي الشوارع اذا أطلقت أسماؤهم عليها
* * * * * * * *
أعود ثانية الى ادوارد سعيد ولا ابدأ منه، فما كتب عنه كثير جدا وتتعذر الاحاطة به في مقام كهذا، لكن التصنيف الأولي لما كٌتب عن سعيد يمكن إجماله بخمسة محاور، الأول استشراقي بكامل الإرث الكولونيالي قدّمه برنارد لويس، والثاني نقد يصل حدّ النقضّ كما قدّمه صادق العظم في كرّاس بعنوان'الاستشراق معكوسا'ويقف معه على الأرضية ذاتها لكن من مقتربات مغايرة الى حدّ ما، د.نديم البيطار في فصل مكرّس لنقد سعيد من كتابه عن الهوية القومية، والثالث من منطلق ماركسي هو ما كتبه اعجاز احمد الهندي عن كتاب'الاستشراق'، والمحور الرابع معرفي ابستمولوجي قرأ ادوارد سعيد كما هو بلا اسقاطات او تقويل ونموذجه سالم حميش في كتابه"الاستشراق في افق انسداده".والمحور الاخير هو لغط شفوي لمن لم يقرأوا ادوارد، بل قرأوا عرضا صحافيا لأطروحاته.
المحور الأول ومثاله برنارد لويس الذي أوشك ان يقدم نعوتا هي بمثابة المعادل الذاتي للنعوت التي قال سعيد بأن الاستشراق يطلقها على شخصية العربي، فادوارد حسب لويس زائف وتعسفي وأرعن، إضافة الى تعميماته، والنعوت التي قال سعيد بأن الاستشراق الكولونيالي يطلقها على العربي هي كاذب وخؤون وقاصر وانفعالي.والمحور الثاني لا نعدم فيه قاسما مشتركا بين د.صادق العظم و د.نديم البيطار، فادوارد حسب هذا النقد ومن خلال اهم مقترباته قدّم رؤية ميتافيزيقية للاستشراق، لأنه وقع بين التعميم والتجريد واسقط نواياه على موضوعه، بحيث يبدو كما انه روديارد كبلنغ لكنه يكتب عبارة الشرق شرق والغرب غرب من اليمين إلى اليسار وليس العكس.
والمحور الثالث، اي نقد ادوارد من منظور ماركسي فان مثاله ما كتبه إعجاز احمد، وحين التقيت إعجاز في ندوة حول د.فرانز فانون فوجئ عندما قلت له أنني قرأت له كتابا له بالعربية عن ادوارد سعيد فلم يكن يعرف ذلك، وما قاله لي لم يكن مغايرا لما ورد في كتاباته عن ادوارد غير انه كان اقل راديكالية في نقده، والأرجح ان هذا المفكر والأكاديمي الهندي الذي يعلن انحيازه للقضية الفلسطينية وللقضايا العادلة في هذا الكوكب المنكوب قد يعيد النظر في ادوارد سعيد، ليس بمعنى الاعتذار بل بالتراجع عن اتهام ادوارد بأنه لم يقرأ ماركس، وما كتبه عن الهند ونمط الإنتاج الأسيوي، وان كان الاعتراض الذي يقدمه إعجاز احمد على سعيد هو تعامله مع ماركس كمستشرق، والحقيقة ان ما كتبه ماركس عن الجزائر ومراسلاته مع انجلز لا يمكن ان يندرج الا في خانة الاستشراق لكن بمعناه الواسع .
والمحور الرابع، معرفي بقدر ما هو منهجي، وهو ما تضمنه كتاب د.سالم حميش عن ادوارد سعيد، حيث ناقش حميش أطروحة سعيد عائدا إلى جذورها سواء في ذاكرة سعيد او في أرشيف الاستشراق ذاته، ومن مآخذ د.حميش على سعيد ان كتابه عن الاستشراق الذي لا ينكر فضله في النقد وتحريك السواكن اتّسم احيانا بوقفات هي اقرب الى الغفلة منها الى اليقظة المعرفية ويوجزها بأن ادوارد رأى بان تيارات الاستشراق كلها محكومة بافكار محورية كاللسنية والفرويدية والشبنجلرية والداروينية والعنصرية، لهذا يرى د.حميش ان ادوار سعيد يطلب من المستشرقين ان يحققوا ما يشبه المستحيل أي التخلي عن تصوراتهم الغربية وفصلها عن دورهم كعلماء، كما ان د.حميش يختلف مع ادوارد حول ما كتبه عن الاستشراق الفرنسي بالتحديد، فطريقة سعيد اتسمت كما يقول بحسن الظن المسبق والإعجاب غير المبرر، فالذي يعرف الاستشراق الفرنسي عن كثب لا يمكنه ان يصادق على حشر روجيه اونالديز، وايف لا كوست في زمرة العلماء الذين خلقوا أعمالا ممتازة، لأن الاول لم يدّع بانه من كبار المستشرقين والثاني ليس مستشرقا بالمعنى الدقيق والمعهود للكلمة، لكن د.حميش في الفصل الخاص بمناقشة أطروحات عربية حول الاستشراق اكتفى منها بما هو في مُتناول اليد، وقد لا يكون هذا قصورا منه بقدر ما هو قصور في ثقافتنا العربية التي تعاني العزلة في ذروة الادعاء بالتواصل، وللمثال فقط اذكر كتابي 'الاستشراق' و'الوعي السالب' الذي طبع مرتين في عمان والقاهرة خلال العشر سنوات الماضية، اضافة الى فصل موسع عن الاستشراق الأمريكي نشر في مجلة "وجهات نظر"المصرية.
والمحور الأخير يراوح بين الاستعراض الصحافي الأفقي واللغط الاشبه بالنميمة الثقافية، ففي بعض الاوساط الفلسطينية يختزل سعيد إلى مضاد فكري وسياسي لاتفاقيات اوسلو، رغم انه صاغ مع محمود درويش بيان الاستقلال الذي أعلن في الجزائر والذي قال لي محمود عنه ذات يوم بأنه مجرد مقال، وهو قول له دلالاته الموجعة، خصوصا بعد أن رأى محمود ما انتهت إليه الدراما الفلسطينية، وهذه مناسبة لاستذكار ما سمعته ذات يوم من الراحل د.عبد الرحمن بدوي وهو عالم ندين له بالكثير، خصوصا في موسوعته عن الاستشراق، فقد مشيت بصحبته من معهد العالم العربي في باريس مسافة طويلة اقتسمها اثنان عبد الناصر وادوارد سعيد، وحين قلت لأستاذنا الجليل ان ما يقوله هجاء وليس نقدا، غضب كعادته وكان عليّ ان اتمتم مع نفسي العبارة نفسها وهي قتل الموتى.وهناك حادثة لا أقوى على تجاهلها في هذا السياق، هي باختصار ان مفكرا عربيا لامعا كان سيكتب مقدمة الطبعة الثانية لـ'الاستشراق' و'الوعي السالب'الصادرة قبل ستة أعوام عن مكتبة مدبولي في القاهرة وحين أحسست ان المقدمة ستوظّف من ألفها إلى يائها ضد ادوارد سعيد اعتذرت على الفور لأنه فهم أو أراد ان يفهم بأن ما قلته في كتابي عن التشابه بين رؤية عمر فاخوري للاستشراق في كتابه"آراء غربية في مسائل شرقية"والصادر في بيروت عام 1922اي منذ اكثر من قرن وبين رؤية ادوارد له، بأن ادوارد قرأ الكتاب وأفاد منه لكنه لم يُشر اليه.
ادوارد سعيد مناسبة مستمرة، وكذلك أنداده من السلالة الخالدة، وهذه مجرد طرقة أولى على البوابة العملاقة التي علق الصدأ بأقفالها.
المصدر- صحيفة القدس العربي
 
خيري منصور
تاريخ النشر:2013-04-14 الساعة 14:46:53
التعليقات:0
مرات القراءة: 2430
مرات الطباعة: 421
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2017 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan