الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية

الأغلبية الصامتة تتكلم

زياد منى

 

 

الأغلبية الصامتة تتكلم
زياد منى
يكثر الحديث في هذه الأيام عن الأغلبية الصامتة، ونسمع تصريحات يصدرها أشخاص وقوى تدعي أنها تنطق باسم تلك الأغلبية،الصامتة طبعًا،وأن برامجها تعبر عن رغبات الأخيرة.
لكن ما الأغلبية؟ وهل هي حقًا دومًا صامتة؟ بل هل هي حقًا أغلبية؟
من المعروف أن الرئيس الأميركي الراحل رتشارد نيكسون كان أول من استعمل المصطلح سياسيًا مدعيًا أن أغلبية الشعب الأميركي تؤيد حربه العدوانية في فيتنام، وتبين له لاحقًا أن تلك الأغلبية وقفت ضده بعدما صارت البلاد تستقبل جثامين خمسمائة جندي أميركي شهريًا. عندها أجبرته تلك الأغلبية،ذات الصمت المدوي، على الانسحاب وإنهاء عدوان بلاده.
قبل ذلك، كان المصطلح خاليا من أي مضمون سياسي حيث استخدم للإشارة، على نحو موارب، أو لنقل: مهذب، إلى البشر الذين ارتحلوا من دار الفناء إلى دار البقاء.
على أي حال، سنعالج هذا المصطلح أو المفهوم من منظور سياسي آملين المساعدة في الكشف عن أخطار التبسيط في العمل السياسي والفكري وعواقب ذلك على المجتمع وعلى المتحذلقين الذين امتهنوا اللعب بالكلمات، وإن لا نشك في حسن نوايا بعضهم،لكن دومًا من دون نسيان التذكير بأن الطريق إلى جهنم عادة ما تكون مبلطة بالنوايا الحسنة.
من الأمور المعروفة في المجتمعات التي اكتسبت مؤسساتها ثباتًا وتواصلاً تاريخيًا، أن قلة قليلة من الشعب تشارك مشاركة فعلية في الأنشطة السياسية، الحزبية الطابع.
والتقديرات في دول الغرب تقول إن مقدار المشاركة في الفترات العادية، أي التي لا تشهد أي أزمات وطنية حقيقية، مثل الحروب، لا يزيد عن 2.5%، ويرتفع المقدار في فترات الأزمات الوطنية إلى نحو 6%-8%.أما البقية فلا تكترث بالأمر، ولا تشارك إلا إذا دعيت أو شعرت بأن الأخطار على وجودها تعاظمت،وأن حد السكين قد اقترب من عنقها.
فقد ثبت في الحرب العالمية الثانية أن كثيرا من شعوب غربي أوروبا التي سقطت بلادها للاحتلال الألماني النازي رفضت مقاومته، بل على العكس من ذلك،فضلت التعاون معه لأجل ضمان مصالحها الشخصية.ولأن هذا الأمر لا يدخل في صلب موضوع مقالنا المعني ببلادنا وشعوبها وحراكاتها، فلن نثير مشاعر وصراعات هنا بذكر الأمور المعروفة للقاصي والداني، لكن المسكوت عنها.
في الوقت نفسه،وفقط كي نذكر بأن مصطلح أو مفهوم الأغلبية الصامتة متغير وفق المكان والزمان، نقول إن ثلث الناخبين في ألمانيا، وهم من الفئات الأضعف والأكثر فقرًا، لا يشاركون في الانتخابات الاتحادية، والأسباب معروفة، وفي مقدمتها فقدانهم الأمل في المقدرة على فرض أي تغيير لمصلحتهم بسبب تطابق برامج الأحزاب المهيمنة في المسائل الاقتصادية.
لذا، فإن الصامتين هنا ليسو بأغلبية،وفي الوقت نفسه نرى أن صمتهم مدوٍّ حقًا محتجًا على ما تعترف به المؤسسة الحاكمة هناك بأنه مجتمع الثلثين،الذي يبني رفاهه على حساب الثلث المعوز الصامت!
في بلادنا،الأمر مختلف حيث لم تتمكن أي دولة من تأسيس أو إقامة نظام مؤسسات.فمعظم الدول العربية تخضع لأنظمة شمولية أحادية أو فردية، مرتبطة بالحاكم ومن اختار من المحظيين، لذا فمن الطبيعي أن يكون الصمت ملازمًا للأغلبية،حتى في أقدم دولة في تاريخ البشرية وأعني هنا مصر المستمر وجودها ضمن حدودها الحالية تقريبًا منذ أربعة آلاف عام قبل ميلاد المسيح.
الاستثناء الوحيد هنا، وفق مؤسسات غربية اجتماعية متخصصة،هو البحرين التي شهدت ذات مرة أو أكثر، مشاركة جماهيرية في التظاهرات فاقت بالمطلق أي مثيل لها في العالم حيث حدث أن شارك 65% من سكانها في مظاهرات تسعينيات القرن الماضي.
دعونا من الأحاديث عن المليونيات وما إلى ذلك ولننظر إلى مقدار مشاركة المواطنين في الانتخابات الرئاسية لنرى أنها لم تصل إلى الثلث في مصر،على سبيل المثال، وهذا المقدار أقل من رديفه في الانتخابات الأخرى التي أعقبت سقوط إدارة حسني مبارك.هنا يمكننا الحديث عن أغلبية صامتة،مع أن صوتها الاحتجاجي مدوٍّ حقًا.
لنترك مصر العزيزة إلى قلوب العرب وإلى قلبي شخصيًا جانبًا ولنعمم مقالنا، ونقول: ثمة أسباب عديدة لهكذا تطور،يرى البعض أنه سلبي، منها على سبيل المثال انتشار الأمية الواسع، وهنا نعني الأمية بمعناها الحرفي،أي عدم امتلاك المقدرة على القراءة والكتابة واستخدام هذه المعارف البدائية، إن توافرت،في حيواتها اليومية،وكذلك الأمية المعرفية والفكرية،أي الافتقار إلى آلية تفكير مستقلة قادرة على استبدال العقل بالأوهام والوساوس.. إلخ.
يضاف إليها الشكوك الدائمة تجاه السلطة الحاكمة عظيمة الخبرة بآليات التزوير والكذب والتضليل وزرع الأوهام.هذا كله وعوامل أخرى تؤدي، بالضرورة،إلى انفضاض الشعب عن النظام، ويقود بالتالي إلى ما نراه من حراكات قائمة في بعض بلادنا وصلت أحيانًا إلى التدمير الذاتي،والبقية دورها آت لا محالة، ما لم تتعظ قبل فوات الأوان..ولن تتعظ من مصير غيرها.
مع ذلك، يبقى مقدار المشاركة الفعلية في الحراكات الشعبية التي شهدتها وتشهدها بعض البلاد العربية، وهي نوع من النشاط السياسي المتفاعل مع المجتمع ورغبات قطاعات منه، متباينًا من بلد إلى آخر،بل من منطقة إلى أخرى في البلد أو الدولة الواحدة.
لنكن واقعيين ولنعترف بأن أغلبية سكان بلد ما لا يهمهم من يحكُم وإنما كيف يُحكَمون.
طبعًا سنجد البعض يرفض هذا أو ذاك من الحكام لأسباب ذاتية، أو لأسباب لاسياسية، لكن هؤلاء أقلية.
لذا ترى أغلبية الناس غير مكترثين كثيرًا باحتجاج البعض لاستبعاده من العمل السياسي وما إلى ذلك، ماداموا راضين عن مستوى معيشتهم وطريقة عيشهم.هذا لا يعني إهمال تضامنهم، السلبي، مع أبناء وطنهم الأقل حظًّا ورضاءً عن حيواتهم اليومية بمختلف تجلياتها.هذه هي الأغلبية الصامتة تحت هكذا ظروف.
في بلادنا، الأغلبية صامتة عن سابق إصرار وتصميم،غير معنية سوى بحيواتها، وتعمل وفق القول العامي:بمشي الحيط الحيط وبطلب السترة.رأيها غير مطلوب،وإن طُلب فيجب أن يكون معلبًا ومغلفًا وفق من يفرضه عليها.
 
لذا ترى شعوبنا منفصمة الشخصية، نمارس التقية،ونحتفظ بعلمنا وجهلنا لأنفسنا.نصفق عندما يطلب منا ونصمت إن أمرنا أو خُيِّرنا.الأغلبية الصامتة لا وزن لها ولا سياسي يتذكرها إلا عندما يحتاج إليها لإثبات وجهة نظر أو لتحقيق غرض أو مأرب. يفضِّل أن تبقى صامتة ليتسنى له/لها الادعاء بالتحدث باسمها ونيابة عنها.هذه الأغلبية صمتها مطلوب، لكن في الوقت نفسه تستخدم شاهدًا صوته مقموع،أجبر على تأجير لسانه لهذا من السياسيين أو ذاك.
هذه الأغلبية الصامتة، التي هي، كما ذكرنا آنفًا، تعاني مختلف أنواع الجهل والأمية، وتعيش في أوهام ووساوس جذورها ضاربة في عمق التاريخ،توارثها الآباء عن الأجداد، والأبناء عن الآباء،وهو ما يدخل دور وسائل الإعلام,حيث كثيرًا ما يُبالغ، إلى حد الجنون، في تأثيره فيها.
 
والمبالِغ هنا هو الإعلام الفاشل،الغبي،المتعالي، والذي لا يعرف سوى ترديد المقولات المقولبة وحالة الإنكار التي تمارسها معظم وسائل الإعلام الرسمية العربية.مع ذلك، فوسائل الإعلام يبقى تأثيرها محدودًا،وفقط في فئات محددة هي الأكثر جهلاً.
ليس ثمة إعلام في العالم قادر على تضليل الإنسان المطلع، وليس ثمة من إعلام قادر على تحريك شارع أو حتى حارة إذا كان أهله راضين عن أوضاعهم.
في الوقت نفسه، ليس ثمة من إعلام قادر على إقناع الجائع بعكس ذلك،ولا البرِد بأنه يشعر بالدفء.ليس ثمة من إعلام قادر على التأثير في قناعات الأغلبية الصامتة التي اكتسبتها تاريخيًا، والتي لا يُعرف بوجودها ومكانها،ولا يكترث بها أحد من السياسيين، إلا عندما يحاول امتطاءها لكسب شعبية مصطنعة. فهل تمكن أي إعلام من التأثير في إيمانها!
 
الإعلام يمكن أن يؤثر فيها في حال وجود حراك بينها، فقط إذا كان يتماهى معها ومع مطالبها التي ترى هي أنها محقة وشرعية،عدا ذلك، يبقى دور وسائل الإعلام محدودا للغاية ولا يؤثر فعلاً إلا في أصحاب الأفكار المسبقة أو المتشبثين برأيهم أو الجاهلين بتفاصيل قضية ما.
إذن، الأغلبية الصامتة،ليست دومًا بأغلبية ولا هي صامتة،حتى وإن لم تعبر عن مشاعرها عبر الطرق المسماة ديمقراطية،أي النظام التمثيلي أو النيابي.بل إن صوتها مدوٍّ في بعض الأحيان،ويتجلى في أحيان كثيرة بأكثر أشكال العنف قساوة،ومن ذلك على سبيل المثال العنف المندلع في تجمعات شعبية كبيرة مثل لعبة كرة القدم أو المظاهرات السنوية التي تقام في بعض الدول بمناسبة عيد العمال وغيره من المناسبات.
علماء الاجتماع في الغرب،الذين كثيرًا ما درسوا تلك الظواهر وحذروا من عواقب تهميش فئات ليست صغيرة من مجتمعاتهم،يعرفون تمامًا أنها ليست من صنع فئة أو جماعة تهوى العنف لأجل العنف،وإنما تعبير عن حالة إحباط حقيقية للمهمشين،أو بقية مجتمع الثلثين.
نرى هذا في بلادنا أيضًا والعنف المريع المرافق لبعض المناسبات التي تجمع أعدادا كبيرة من البشر، خير دليل.هذه الفئات تعبر عن الأغلبية الصامتة،بصوت مدوٍّ يصل إلى أقاصي المعمورة، لكننا لا نبرئ أي من مرتكبي العنف تجاه الغير.
في بلادنا،بلاد العرب،القسم الأكبر من هذه الأغلبية الصامتة لا يحبذ العنف ولا يريده.له حقوق،لكنها غير مؤطرة في برامج لأنها تفتقر إلى المعارف الضرورية لكيفية تحقيق مطالبها المحقة.هنا يأتي دور وسائل الإعلام في إدارة معركة كسب قلوب هذه الأغلبية وعقولها.
دعونا من صراخ البعض عن الإعلام المضلِّل وما يردد عن كذب،ولننظر إلى الحقائق.طبعًا قد يكون هذا أو ذاك من وسائل الإعلام مبالِغًا في رسم قتامة صورة وضع ما،لكن إن كان المتلقي،من الأغلبية الصامتة،غير متعاطف معها،فلن تؤثر فيه أي وسيلة.وإن كانت وسائل الإعلام تلك تكذب كذبًا بينًا وصريحًا،فإن المفعول سيكون معاكسًا وتؤدي إلى انفضاض المتلقين عنها،ولنا في درس صحيفة مردوخ نيوز أوف ذ وورلد الإنجليزية شاهد حي حيث اضطر لإغلاقها بعدما تجاوزت الحد الأدنى من معايير العمل الصحفي في الغرب.
أخيرًا،إلى من يعينون أنفسهم ناطقين باسم الأغلبية الصامتة ويدعون تمثيلها وتماهي برامجهم مع مصالحها.إن الأغلبية الصامتة في بلادنا،تعاني مختلف أنماط الأمية، السياسية والفكرية وغيرهما،ولذا فإنها كثيرًا ما تلجأ إلى المقولات المقولبة الجاهزة،والتي يمكن أن تكون عاملا تحريريا أو تفجيريا،وهنا تكمن الخطورة.
فالناشط في الحقل السياسي يعد نفسه طليعة، أو يفترض كذلك،وواجبه يكمن في قيادة المجتمع أو جماعة محددة وليس الاندفاع وراءها وخلف شعاراتها.هذا ليس عملا سياسيا وبالتأكيد ليس طليعيًا،بل شعبويًا خطيرًا.
المصدر-الجزيرة
 
زياد منى
تاريخ النشر:2013-01-15 الساعة 12:17:12
التعليقات:0
مرات القراءة: 1970
مرات الطباعة: 399
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2017 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan