الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » مفاهيم و مصطلحات

مفهوم الهرمينوطيقا

إلياس قويسم

 

مدخل : معضلة قراءة النصّ

أن يكون النصّ بمعناه الاستغراقي منطقة نظر وتفكير أو حقلا للبحث،معناه أن يستدعي قراءة لتحويله من مجرّد إمكان كامن إلى فعل معرفي منتج، ومن ثمّ فالقراءة تكون بالنصّ وفي مواجهته، قصد إقرار الحدود الفارقة بين النصّ المرجعي والقراءة الناشئة في حوافه والمنبثقة عنه، يتجلّى ذلك في محاولة تجاوز حرفيّة آثار المؤلّف قصد النفاذ إلى الفضاء الحاضن للإشكاليّات، مثل هذا النفاذ النقدي يختلف من محضن فكريّ إلى آخر، بالنظر إلى أنّ لكلّ قارئ معاملا شخصيّا به يميّز تلقائيّا، ما يلائم طبعه واهتماماته، أي عناصر الرسالة الخاصة التي وجّهها له الكاتب[1] بهذا تغيّر القراءة المقروء وفق ضابط وضع القارئ، حسب تآريخيّته*، لذلك المنهج التآريخي يفترض مصادرة أساسيّة تتمثّل في كون التاريخ من حيث هو كذلك ليس كيانا جماليّا-متحفيّا بمعزل عن الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وجملة التجاذبات الدافعة أو المانعة لحركة التاريخ من حيث كونه نصّا، والنصّ في دلالته يبقى منفتحا على أفق التعدّد وينأى عن الإحكام، بالنظر إلى حاكميّة التاريخ في المتلقّي، مثل هذه المصادرة تتولّد عنها بدلالة الالتزام مصادرة فرعيّة تتعيّن في كون كلاّ من المؤلّف والقارئ يندرجان ضمن حيثيّات السياق التاريخي وآثاره، وعليه فلا وجود لقراءة بريئة محايدة، بل نجد مراوحة بين منطق اعتقال فكر القارئ ضمن سياقات المؤلّف ومقولاته وبين تحرّر لدلالة النصّ و تحرّرها من ربقة قيد المؤلّف وانتقالها إلى عمق التاريخ ممثّلا في جنس القارئ وجملة الإحداثيّات الزمانيّة والمكانيّة الملازمة له، ومن ثمّ فنحن بين حاكميّة التأريخ أو التآريخيّة، بمعنى أفق المؤلّف أو أفق القارئ، وهذا يفضي بداهة إمّا إلى تجريد القارئ من مكوّنات أفقه في القراءة قصد متابعة المؤلّف في نمطيّة سلبيّة أو الدفع بالنصّ إلى متابعة هجرته للمحاضن التاريخيّة و النطق أو البوح بما يختلج في صميميّة القارئ من عقائد، إنّنا الآن بإزاء منهجين للقراءة،إمّا الاسميّة الجامدة الدافعة نحو الثبات، أو الفعليّة الآخرة في الانزياح نحو أفق التاريخ الحيوي، والذي بدوره يراود النصّ على التغيّر وهجرة فراغ الثبات، من حيث كونه دافعا إلى المتحفيّة التاريخيّة، بدل الفاعليّة التآريخيّة و الفارق ليس هيّنا بين النموذجين.

 إنّ إطلالة سريعة على جهود العديد من الفلاسفة كفيلة بأن تكشف حجم التعالقات بينهم وبين افتراضات التارخانيّة الجديدة * في مقابل التاريخانيّة القديمة وخصوصا فيما يتعلّق بتاريخيّة الفهم والتأويل، من حيث كون فعل التأويل كامن في صلب التاريخ وليس بعيدا عنه، ومن ثمّ يكون لأثر السياق دور في بلورة أنموذج الفهم و تشكيلاته الدلاليّة ومخرجاته المفاهيميّة، بالنظر إلى أنّ ذات القارئ-المتلقّي ليست بريئة بقدر ما هي متورّطة في كنف التاريخ، وهو لا يملك من معاول النفاذ إلى النصّ إلاّ آليّات تأويليّة كاشفة عن تصوّر للحقيقة لا مرآة تعكس ذات الحقيقة الموضوعيّة، وعليه يكون للمعايير الضابطة للمحاضن الفكريّة انعكاسات إجرائيّة خصوصا في مستوى مؤشّرات التعامل مع النصّ ومخرجاته، ممّا يفضي إلى القول بأنّ فهم النصّ القديم لا يتأتّى إلاّ باسترجاع أو إعادة بناء سياقه القديم، حتى يتسنّى فهمه وفق مقاييس زمن التشكّل والصياغة، ممّا يفضي إلى تأبيد الفهم والقول بالحقيقة معرّفة لا منزوعة التعريف المفضية إلى الانتقال من الثابت إلى المتحوّل ومن ثمّ الاندفاع إلى نسخ التاريخ بدل القول بالخواء والفراغ الذي يلي القول الأوّل، فنحن إزاء وضعيّة متأرجحة بين أفق المؤلّف وضمنيّاته وأفق القارئ وقبليّاته، ضمن هذا الكون الإجرائي يتّضح البعد الذي ينبغي أن يصله التأويل: فهو ببساطة فنّ تجنّب سوء الفهم، أي الفنّ الذي يشترك به الناقد والقارئ على حدّ سواء[2]، وعليه تغدو الإشكاليّة الرئيسة في المنهج الموصل إلى الفهم والإفهام, ولكن بأيّة ضوابط وبأيّة معايير؟ لذلك ستكون لنا وقفات مع الهرمينوطيقا أو التأويليّة قصد الإسهام في النظر إليها للوقوف عند ماهيّتها وسيرورتها التاريخيّة وتحوّلاتها بالنظر إلى هجرتها من محضن إلى محضن، سواء أكانت هذه الهجرة داخليّة ضمن سياق نشأتها أو هجرة عابرة إلى حقل توظيف من زاوية أنّ المفاهيم بريئة والمحاضن متّهمة بالمعنى الفكري حيث تسعى إلى التدخّل الجراحي في خارطة المصطلح ودفعه إلى الظهور بمنطق جديد، ومن ثمّ يكون الحديث عن الفعاليّات أو الموجّهات الفكريّة بوصفها ممارسة عقليّة تكشف مظهرا من مظاهر التعامل مع الوافد إمّا بالقراءة الأهليّة أو وفق ضوابط الموجّهات الإستشراقيّة المتخارجة أساسا من محضن غربي يريد إعادة إنتاج الآخر وفق معاييره ليغدو كما يريد و ذلك من خلال استنبات مناهج وأدوات بحث قادرة لا على إعادة قراءة المضامين المسطورة بل على قراءة الذات المعتنقة لها.

مقاربات في أصول المصطلح

أ-الانزياح نحو درجة الصفر

لا يعزب عن الباحث في أصول المصطلح أنّ علم التأثيل اللغوي أو التأثيليّات اللغويّة Etymologie  بما هو حفريّات في أصول المصطلح يعتبر من المداخل المشروعة للباحث في أصول تشكّل مصطلح الهرمينوطيقا في الثقافة الغربيّة، وهذا لا يكون إلاّ عبر الاختلاف إلى مساءلة سياقات استعماله وتوظيفه، وهو فعل منهجي يسمح بتعقّب دلالاته زمن النشأة ثمّ لواحقه التي أضيفت إلى مقامات تعريفه بفعل هجرته المتكرّرة عبر حقول معرفيّة أخرى، أو بفعل الترجمة التي قادته إلى إحداثيّات زمانيّة ومكانيّة جديدة أوقعت فيه أثرها المعرفي تحت ضاغطة الأجهزة الثقافيّة ذات البعد الرقابي، ومن ثمّ تتنازع المفاهيم والدلالات فيما بينها للحصول على أحقيّة التداول،تلك حتميّة المفاهيم العابرة، لذلك كان لا بدّ من الانزياح الإجرائي في تضاريس المصطلح قصد الوصول إلى العبارة الأولى التي التصقت به و من ثمّ معاودة الصعود التاريخي لرسم ملامح خريطة المصطلح المتدرّجة وفق ضوابط إجرائيّة عبر تعقّب لآثار رحلته من عهد هوميروس إلى الفكر المعاصر، لـ"أن تاريخ الهرمينوطيقا عريق جدّا في الثقافات الإنسانية، فقد تناسلت مناهجه وأساليبه التي كانت تركز على البحث عن المعنى الأصلي إلى البحث عن أثر النص"[3]

ارتبط مصطلح الهرمينوطيقا بالأصول الفلسفيّة والدينيّة، خصوصا تأويل النصوص المقدّسة أو ما يعرف بالتفسير التوراتي L'exégèse biblique، ولكن حال مزاولة مزيد من التنقيب في أصوله نجده يعود إلى الحضارة اليونانيّة حيث "ارتبط اسم الهرمينوطيقا بهرمس رسول الآلهة أولمب في الميثولوجيا الإغريقية[4]، وخصوصا مع كلّ من أفلاطون وأرسطو حيث حاول الأوّل من خلال محاورة "أيون" ترسيخ ضوابط السؤال الهرمينوطيقي المتعلّقة بالراوي وبيان الأدوار المنوطة بعهدة كلّ من المؤلّف والقارئ وسلطة النصّ والسياق الاجتماعي الذي أفرزه، كذلك تناولت بالمعالجة قضايا المعنى و الحقيقة و الطبيعة و القيمة و الإنسان و ما يضطلع به من مسؤوليّة في الحياة[5]

وعليه يكون مصطلح الهرمينوطيقا منذ البدء ملتصقا بالتجربة اللغويّة بما هي علامة دالة على وجود الإنسان في الوجود، ويتّقد استشكالها أثناء التواصل حيث العلاقة متوتّرة بين الباثّ والمتلقّي –القارئ، حيث أنّ الرسالة الواقعة بينهما ينحجب فيها المطلوب قصد تمكين المتلقّي من فكّ شفرتها أو رموزها ومن ثمّ تقفّي أثر المعنى، مثل هذا التشكيل أهّل الهرمينوطيقا لأجل أن تكون في الحقل اليوناني فنّا، بمعنى فنّ التأويل أو كشف المتحجّب من المعنى [6] والماهر أو المتقن هو الذي يتقن فنّ تحصيل المعنى إن لم نقل فنّ القبض عليه من جهة تمنّعه وصعوبة فكّ رموزه يقول أفلاطون على لسان سقراط:" إن فهم هوميروس ليس مجرّد حفظ كلماته عن ظهر قلب،ولن يتسنى لإنسان أن يكون راوية قصائد ملحمية ما لم يفهم المعنى الذي يرمي إليه الشاعر لأن الراوية ينبغي عليه أن يؤول عقل الشاعر لمستمعيه. وما كان له أن يؤوله حق تأويله ما لم يعرف ما يعنيه."[7] فالهرمينوطيقا ارتبطت بداية بالشعر والرواية ومن ضوابطها إتقان الحديث عن الآخرين وحسن التقديم والمهارة في تأويل نقاط الاتّفاق بين سائر الشعراء، ومن ثمّ يكون الهرمينوطيقي هو كرجل اختصاص متقن لحقله المباشر له وهو ما يختلف به عن الفيلسوف بما هو باحث عن الكلّي، وإن كان هذا التحيّز المعرفي لا يفصله عن الفيلسوف حال الاتّحاد في قيمة الحبّ من حيث كونها قيمة فنيّة كليّة مشتركة، ممّا يجعل الهرمينوطيقي بقواعده ممارسا لفعله البحثي وفق نسق ضابط الاستغراق، لأنّه حينما يكتسب معرفة بفنّ بالكليّة يكون بحثه عن الجيّد و الرديء أمرا واحدا بعينه.[8]

ب- قراءة جينيالوجيّة لمصطلح الهرمينوطيقا

مثل هذا الحفر الجينيالوجي في بنية المصطلح يوصل إلى اعتبار الهرمينوطيقا من أقدم الاتجاهات اهتماما بفنّ فهم النصوص[9]، أي بالبحث عمّا هو أوّل في الشيء، و يتعلّق الأمر في العصر الكلاسيكي اليوناني بتأويل النصّ الهومري نسبة إلى "هوميروس" الذي يعتبره النقّاد "إنجيل اليونانييّن"[10]

في مرحلة متقدّمة أخذ المصطلح في الدوائر الكنسيّة صبغة البحث عن نظريّة التفسير عبر صياغة ضوابط و قواعد يُحتكم إليها حال تناول النصّ المقدّس-الديني (التوراتي أو الإنجيلي) بالفهم[11]مهما يكن من أمر تعدّد الآراء وتباينها حول الأصل الأوّل لنشأة الممارسة الهرمينوطيقيّة، فإنّ الذي لا ريب فيه في مستوى الممارسة الجينيالوجيّة أنّنا لسنا أمام متابعة تأريخيّة أو إثباتا لها بقدر ما هي محاولة "لإعادة بناء مختلف المنظومات الفاعلة... لكنّها ليست بحثا عن معنى أوّل، و إنّما هي إثبات للأولويّات و الأسبقيّات التي أعطت معنى على آخر.إنّها وقوف عند الاختلافات والفوارق المولّدة للمعاني."[12] فنحن حال الحديث عن التحقيب التاريخي لرحلة تكوّن مصطلح الهرمينوطيقا أو غيره من المصطلحات، نتحدّث أيضا عن إستراتيجيّات الهيمنة و إرادات السيطرة، بمعنى محاولة إخضاع و قهر و صراع، ومن ثمّ نتحوّل من وضع الحديث عن الانسيابيّة العفويّة للمصطلح إلى الحديث عن لعبة الانتقال من سيطرة إلى أخرى، وما آل إليه مصطلح الهرمينوطيقا أثناء اجتذابه إلى محضن الدراسات اللاهوتيّة، حيث غدا الرأسمال الرمزي محلّ صراع بين أصحاب التفسير الرسمي و كلّ من حاول تفسيره خارج إطار الدائرة الرسميّة أي "الإكليروس" أو رجال الإصلاح الديني الذين يصرّون على أن يكون الفهم أحاديّا بعيدا عن التعدّد، بمعنى القول بالتطابق "إنّهم يتابعون الآخر بذهنيّة الرقيب قصد مراجعة ما يكتبه...ليروا هل يتطابق مع أنموذجهم أم يخالفه.وإذا هو اتّسم بالاختلاف فإنّهم يتوخون إستراتيجيّة الاحتواء...حتى يضعوا حدّا للتمايز و التنويع فارضين منطق التجانس."[13] ومن ثمّ وقع تحويل النصّ المقدّس منظومة مغلقة لا يقبل بغير الفهم الأحادي الذي أقرّه رجال الدين، باعتبارهم يمثّلون الدين في شخص المخلّص المسيح، و عليه تغدو تأويلاتهم بما هي فهم للنصّ المقدّس مصطبغة بذات صفة النصّ الأوّل، أي القداسة، إلى درجة يمكن أن تحلّ بديلا عن النصّ الأصليّ بعيدا عن كلّ تأويل مجازي-رمزي،وإزاء هذه الوضعيّة التفسيريّة تبلور مفهوم الهرمينوطيقا ليشير إلى جملة "القواعد و المعايير التي يجب أن يتبعها المفسّر لفهم النصّ الديني (الكتاب المقدّس)...و يعود قدم المصطلح للدلالة على هذا المعنى إلى عام 1654م، و مازال مستمرّا حتى اليوم خاصة مع الأوساط البروتستانتيّة"[14]، هذا من جهة و من جهة أخرى فإنّ مثل هذه القواعد تنسحب على "حواشي و تفسيرات المعاني (Exegesis): أي شروحات وتفسيرات المعاني الموجودة في النصّ وتحديد وجوه تطبيقها عمليّا في الحياة...وتعنى بتأويل حقيقة الكتاب الواقعيّة والروحيّة" [15].

مع العصور الحديثة اتّسعت دلالة المصطلح في تطبيقاته، بحيث انتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتّساعا بحيث شملت دلالاته الإجرائيّة كافة العلوم الإنسانيّة كالتاريخ وعلم الاجتماع الأنثروبولوجي وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور...[16] وبهذا تكون الهرمينوطيقا في تاريخ ارتحالها من محضن إلى آخر قد وسّعت من نطاق اشتغالها لتشمل مشكلات التأويل النصّي ككلّ [17].

ومن ثمّ يغدو بيّنا أنّ سبب مواصلة مصطلح الهرمبنوطيقا الحضور في المجتمع المعاصر رغم المسافة الزمنيّة الطويلة التي تفصل سياقها التكويني عن سياقها التداولي الإجرائي، كامن في التعدّد الدلالي الذي تتّسم به،بالنظر إلى أنّ الدلالة صيرورة تناصيّة مفتوحة قائمة على أساس التلاقح بما يوافق قيم و معايير المجموعة المستقبلة له "فالترجمة -التي تعني نقل العمل من فضاء اجتماعي إلى آخر- لا تفترض تغيّر شفرة المدلول الفكري فحسب، بل أيضا جهازا جماليّا جديدا.و ينتج عن ذلك أن ما تنقله الترجمة ليس سوى جزء من الإبداع الأدبي، بحيث تتكفّل المجموعة المتلقّية بالباقي"[18] إنّنا أمام صيرورة دلاليّة لا تتوقّف أبدا، و إعادة إبداع المصطلح تستمرّ دوما على مستوى الترجمة، حيث اعتبرت في السياق الغربي خيانة مبدعة، بالنظر إلى أنّها تضع المصطلح في نسق من الإحالات لم يرصد له أصلا [19]

في دلالة المصطلح

يذهب معظم الدارسين إلى كون الهرمينوطيقا من أصل إغريقيhermeneutikè, έρμηνευτική [τέχνη] وأخذت من "هرمس"Hermès" رسول الآلهة إلى البشر، الذي كان يعبّر عن المسافة بين تفكير الآلهة وتفكير البشر، كما ورد في الأساطير اليونانيّة، و يزوّد البشر بما يعينهم على الفهم و تبليغه.

وقد تردّد هذا المصطلح بين معان متقاربة تتّجه كلّها إلى الإقرار بفضيلة الفهم، رغم الاختلاف في الإحالة إلى جذرها الأصلي، و سنورد بعضا من هذه الأقوال في شكل نقاط :

-مصطلح الهرمينوطيقا مشتقّ من " Hermé"وتعني القول والتعبير والتأويل والتفسير، وكلّها دلالات متقاربة، من حيث الاتّجاه نحو الإيضاح و الكشف و البيان [20].

-أمّا في علم اللاهوت فيعرف بكونه فنّ تأويل و ترجمة الكتاب المقدّس.

فالتأويل هو "العلم الديني بالأصالة والذي يكوّن لبّ فلسفة الدين ويقوم عادة بمهمتين متمايزتين تماما:

1-البحث عن الصحة التاريخية للنص المقدس عن طريق النقد التاريخي

2-وفهم معنى النص عن طريق المبادئ اللغويّة [21]

وبالنسبة للمعاجم الغربيّة فتكاد تجمع على الأصل الإغريقي لمصطلح "هرمينوطيقا"Herméneutique، ويمكن أن نختصر عبارتها لدى بعضهم على النحو التالي:

أ‌- برنار دوبيBernard Dupuy، أرجعها إلى الجذر هرمينيا Herménia، التي تدل على التأويل [22]

ب‌- طامين وهوبيرTamine et Hubert، أرجعاها إلى الجذر هرمينيا Herménia، وهو فن تأويـل العلامـات،وهـو تأمل فلسفي يعمل على تفكيك كلّ العوالم الرمزية، وبخاصّة الأساطير، والرموز الدينية، والأشكـال الفنّية وغيرها.

ت‌-جـون غرونديـن Jean Grondin، الجذر هرمينيوHerméneuo، ويعني فن تأويل النصوص[23]، ويضيف إليه دلالات تنمّ عن نسبية في ضبط المفاهيم والمصطلحات إذ يذهب إلى أنّ الفعل اليوناني الذي اشتق منه «الترجمـة والتفسير والتعبير».وفي هذه الحالات الثلاث يحمل هذا الفعل الاتجاه إلى الفهم إدراكاً ووضوحا[24].‏

ث‌-  جون بيبان Jean Pépin، والجذر هرمينويانHerméneuein وهناك أسماء ومصادر ونعوت من ذات العائلة: Herméniaو Herméneutés و Herméneutikos. واللافت في عمل بيبان Pépin هو تحديده للانزياح الحاصل في تحوّل المصطلح من اليونانية إلى اللاتينية؛ إذ إنّ ترجمته بـ Interpreta قد أثّرت سلباً على دلالة الهرمينيا L'herménia ، فقد اكتسبت، عبر السابقة (inter) معنى التوسط، الذي جعلها تنزاح عن معناها. لذلك كان معنى المصطلح الإغريقي هرمينوطيقا Herméneutique تبعاً لذلك هو التأويل Interpretation. كما كان ذلك عاملاً رئيساً في تداخل المصطلح، فيما بعد، مع لفظة التفسير L'exégèse. بيدَ أنّ المعنى الأصلي للفظHerméneuein وباقي مشتقاتها، والقول لـ بيبانPépin، ليس هو التفسير بوصفه فعل ولوج في قصدية النصّ أو الرسالة، بقدر ما تدلّ في الغالب الأعمّ على فعل تعبيرExpression يتصف بطابع الانفتاح الخارجي [25].

وهناك معنى آخر يقترب من مصطلح Herméneuein بمعنى التعبير هو معنى«الترجمة»، أي ترجمة لغة إلى لغة أخرى[26].

وغير بعيد عن المعاني الواردة في الجداول السالف، نجد تفصيلات بيانيّة لهذا المصطلح مع الفيلسوف أبي يعرب المرزوقي، الذي يذهب إلى القول بأنّ الهرمينوطيقا هو الفنّ المانع من الزلل، بمعنى الدفع بالمعنى نحو التخارج من كنف الغموض إلى أفق الوضوح ولكن من خلال جملة من الضوابط والاحترازات الواجب الأخذ بها قصد تجنّب سوء الفهم ومن ثمّ العصمة من الانزياح نحو التأويل المذموم أي الاندفاع نحو صياغة بنى مفهوميّة وغير مرادة:

-الهرمينوطيقا في مدلولها الفلسفي منهج علميّ يستهدف تجنّب التأويل المذموم بإزالة العوائق التي تحول دون التفسير الذي هو التأويل المحمود لئلاّ يصبح التأويل تحكّما لا يضبطه ضابط كما هي حال التأويل عند الباطنية التي كشف الغزالي تحكّمها التأويلي في الفضائح.

-فيكون فنّ الهرمينوطيقا فنّا جامعا لكلّ أدوات الفهم والتفسير الشكلي والمضموني، الأدوات التي كانت علوم الفلسفة وعلوم الدّين تستعملها في فهم تراثها السابق وفي التواصل المتساوق بين العلماء وفي التأليف العلمي في مجالات اختصاصها.

-فالمعنى الحقيقي الهرمينوطيقا يمكّن من تجنّب معنى التأويل المذموم لأنه يخلّص محاولة الفهم من فرضيّة اعتبار ترميز النص المقدس مثل ترميز الأحلام يخفي المعنى بدل كشفه. وحتى تعبير الأحلام إذا اعتبر مادة للفهم الهرمينوطيقي فإنه يستخرج المعنى المقصود بتحرير نظام الترميز من التحريف الذي يستعمله الحلم كما تعكسه حكاية صاحبه له حكايته التي يمكن اعتبارها ترجمة أو تأويلا أوّليا يقوم به صاحب الحلم لنقل أحداث حلمه التي تخفي مقاصده من طابعها الحدثي إلى صيغتها اللسانية في الحكاية [26] .

وعليه تكون الهرمينوطيقا معنية بتأويل حقيقة الكتاب الواقعيّة والروحيّة، أمّا في الحقل الفلسفي-الاجتماعي فهي تسعى قدر جهدها إلى سبر السلوك والأقوال والمؤسّسات الإنسانية وتأويلها على أنّها أمور غائيّة بالضرورة، ومن هنا أخذت منحى البحث عن غاية الوجود الإنساني في الفلسفة الوجوديّة/الأنطولوجيّة خاصة مع هايدغر[27]، مثل هذا الحفر الأركيولوجي في تاريخيّة المصطلح أوقع طفرة في مستوى دلالته خصوصا حال انتقاله من مجال فهم النصوص الدينيّة إلى مجال أكثر استيعابا لنصوص أخرى ليغدو علما مستقلاّ يناقش عمليّة الفهم وآليّات التأويل والشرح.[28] حاملة صلبها استفهامات تحاول من خلالها الدفع بالفهم نحو منطقة الموضوعيّة المطلوبة حال معالجة النصوص سواء في مستوى عتباتها الخارجيّة أو ذاك المنكفئ والمتحجّب، فتاريخ الهرمينوطيقا منجذب إلى طرفين طرف المرسل أو طرف المتلقّي والنصّ في غياب مؤلّفه، وهو ما جعل سيرورة الهرمينوطيقا توسم في أولى مراحلها بالتقليديّة ثم تنحو نحو التجديد، وعليه نكون أمام أطروحتين: الهرمينوطيقا التقليديّة القديمة والهرمينوطيقا الجديدة.

وهو طرح يفترض سلفا عددا من الافتراضات التي تتعلّق بطبيعة المعنى أو الفهم جراء التماس الدلالي-المعنوي وهو ما يتولّد عنه جملة من المشكلات.حيث يتّجه فريق إلى القول بافتراض تصوّر المعنى بأنّه "ما ينتج عن كلمات النصّ و قضاياه propositions بحيث يشكّل استقلاله الدلالي"[29] أو أنّه ما يقصده المؤلّف أو القارئ بوصفه ذاتا، من حيث اعتبار ذلك الفعل قبضا على الحقيقة الموضوعيّة للنصّ، لذلك نصل إلى وضعيّة تضاد أو جدل بين الموضوعي والذاتي، بمعنى أنّ الطرف الموضوعي يرى أنّ المعنى متعدّ لأثر الزمن وعابر له دون أن يتأثر بإحداثيّاته بحيث يمكن المحافظة على فطريّة المعنى وبراءاته من لوثة التلوّن في الزمن، في حين أنّ الشقّ الذاتي يرى أنّ القارئ متورّط بكلّ فعاليّاته الفكريّة وسابقات البصر في مستوى القراءة، وعليه يكون الوصول إلى وضع تعدّد المعنى للنصّ بتعدّد القراء، جراء خضوعه لأثر الإحداثيّات، بالنظر إلى استحالة التعامل المبرّأ و الوصول إلى المعنى الموضوعي للنصّ المنبثق في زمنه في غفلة من زمن المؤوّل أو تحييد جاذبيّته والسياقات التي يتفاعل فيها وبها.

"ويرى بول ريكور أنّ الهرمنيوطيقا هي نظريّة عمليات الفهم في علاقتها بتأويل النصوص ولهذا فإنّ الفكرة الأساسية في الهرمنيوطيقا ستكون إدراك الخطاب بوصفه نصا.وهنا ، ستكون الطريق سالكة أمام محاولة حل المشكلة الهرمنيوطيقية المركزية وهي التعارض، الذي يصل حد الكارثة ، بين التفسير والفهم .ولذا فإن أي بحث متكامل بين هذين المفهومين ، اللذين تميل الهرمنيوطيقا الرومانسية إلى تفكيكهما، سوف يقود إبستمولوجياً إلى إعادة توجيه الهرمنيوطيقا ، بما يتطلبه مفهوم النص نفسه"[30]

في تطوّر المصطلح : التطوّرات اللاحقة عن زمن النشأة

من التقليدي أن نتقصّى المسار التاريخي الذي ساهم في الارتقاء بمصطلح الهرمينوطيقا إلى عنوان النظريّة من خلال جهود العديد من أعلام الفكر الفلسفي، إضافة إلى كتابات رجالات اللاهوت المسيحي البروتستانتي في القرن السابع عشر الذين طوّروا منهج فهم الكتاب المقدّس لتدعيم أساس لاهوتهم.ومن ثمّ سنحاول أن نقف عند أهمّ المحطّات المفصليّة التي مرّ المصطلح في القرون الأخيرة حال انتقاله من وضع المصطلح-المفرد إلى وضع منظومة مفاهيميّة 

    شليرماخر والدائرة الهرمينوطيقيّة: تأسيس صنعة الإدراك

ينظر معظم مؤرّخو الهرمينوطيقا المحدثون إلى العمل الذي قدّمه فريديريك شليرماخر (1768-1843م)، على أنّه الفعل الذي دفع بالهرمينوطيقا من دائرة الاستخدام اللاهوتي ليكون علما أو فنّا لعمليّة الفهم وشروطها في مستوى تحليلها للنصوص، ومن ثمّ نقل التأويليّة من وضع الاحتكار الوظيفي إلى وضع المشاعيّة الأداتيّة، عبر الارتقاء بها إلى درجة علم يؤسّس عمليّة الفهم، و بالتالي عمليّة التفسير[31].

يذهب شلايرماخر إلى أنّ التأويل فن/تقنية يهتم بطريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية و المعرفية، و البحث عن الحقائق المستترة في النصوص بالنظر إلى الإحداثيّات التي حفّت بإنتاجها قصد الوصول إلى حسن الفهم، بمعنى الوصول إلى درجة من التجانس توصل الناقد إلى القدرة على الإخبار بالحدث النفسي الذي حفّ بالمؤلّف أو خضع له حال مباشرته الكتابة، و يصطلح شليرماخر هذه العمليّة بالدائرة الهرمينوطيقيّة.

هكذا حاول أن يجد تأصيلا منهجيا لعملية تأويل النصوص عبر الانتقال من وضع التأويل للنصوص بكلّ تمظهراتها أو انبثاقها إلى معنى الفهم. بالنظر إلى أنّ السؤال يطرح وضعيّات بحثيّة متداخلة و قابلة للتعارض، مثل هذه الخطوة اعتبرها بول ريكور بأنها انقلاب كوبرنيكي أول في تاريخ الهيرمنوطيقا على غرار الانقلاب الكوبرنيكي الكانطي في نظرية المعرفة [32].

وتقوم تأويلية شلايرماخر-بحسب ما ذهب إليه العديد من النقّاد- على أساس أن النصّ عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلف إلى القارئ، وبالتالي فهو يشير في جانبه اللغوي إلى اللغة بكاملها،ويشير في جانبه النفسي إلى الفكر الذاتي لمبدعه. والعلاقة بين الجانبين - فيما يرى شلايرماخر – علاقة جدلية. وكلما تقدم النص في الزمن صار غامضا بالنسبة لنا، وصرنا من ثم أقرب إلى سوء الفهم منه للفهم، وعلى ذلك لابدّ من قيام "علم"أو "فنّ" يعصمنا من سوء الفهم، ويجعلنا أقرب للفهم، وينطلق شلايرماخر لوضع قواعد الفهم من تصوره لجانبي النص اللغوي والنفسي[34]. وعلى هذا الأساس يكون شليرماخر باحثا عن منطق التطابق و التجانس و من ثمّ الانفلات عن صيرورة الاختلاف التي لا تفتأ تنأى بالذات و تدحرجها نحو أكوان مغايرة عن كون الحضور و الوعي.

ولأجل الوصول إلى مثل هذا الوعي المماثل والمتجانس والنفاذ إلى معنى النصّ الرابض في نسيجه، لابدّ أن تتوفّر لدى المفسر موهبتان تعملان بطريقة متفاعلة: الموهبة اللغوية، والقدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشرية الموهبة اللغوية وحدها لا تكفي؛لأن الإنسان لا يمكن أن يعرف الإطار اللامحدود للغة، كما أنّ موهبة النفاذ إلى الطبيعة البشرية لا تكفي لأنها مستحيلة الكمال، لذلك لابدّ من الاعتماد على الجانبين، ولا توجد ثمة قواعد لكيفية تحقيق ذلك"[35].

ومن خلال تفسير التأويل بهذه الطريقة، تصبح الفجوة التاريخية التي تفصل العمل الأدبي عن الناقد أو القارئ سمة سلبية ينبغي التغلب عليها أو طيّها قصد تجنّب سوء الفهم، فالمفسّر في هذه المنظومة الكلاسيكيّة /الرومانسيّة، يغدو مطالبا بالارتفاع بذاته عن كلّ الإحداثيّات التاريخيّة المكيّفة لوجوده قصد الارتداد بفكره إلى زمن المؤلّف والوقوف على القواعد و الأدوات المفهوميّة التي استعملها أو استثمرها المؤلّف في حياكة نسيج الخطاب/النصّ و طريقة تشكّله وآليّة اشتغاله، وعليه يغدو المفسّر، في ضوء المفهوم الكلاسيكي للهرمينوطيقا، مساويا للمؤلّف، بل و يحلّ مكانه عن طريق إعادة البناء الذاتي و الموضوعي لتجربة المؤلّف من خلال النصّ.و رغم استحالة هذه المساواة من الوجهة المعرفيّة فإنّ شليرماخر يعتبرها الأساس الهام للفهم "الصحيح"[36] وفق هذه الضوابط المحصّنة من سوء الفهم، يكون مطلوبا من المباشر للنصّ بالفهم و التفسير مميّزا بملكة تنبّؤيّة إلى جانب تملّكه للمعرفة باللغة، وهو ما يفترض أن يكون المفسّر- المؤلّف، قصد حفظ الدلالة من التيه والضياع والخيانة، ومن ثمّ الإقرار بمبدأ التطابق.

بهذا يكون شليرماخر-بالرغم من رومانسيّته في مستوى وضع الضوابط المتعالية عن الإجرائيّة-ممهّدا لمن جاؤوا بعده، من دون النظر إلى نقطة انطلاقهم أهي متابعة أم مراجعة نقديّة لكلّ ما توصّل إليه.

ويلهلم ديلثي واستشعار فاعليّة أفق المفسّر

تركزت محاولة ويلهلهم ديلتاي (1833-1911) في التفرقة بين العلوم الطبيعية و الإنسانيّات، وفى الرد على الوضعيين الذين رأوا أنّ إشكاليّة العلوم الإنسانيّة في المنهج و وفق هذا التشخيص انتهوا إلى أنّ الخلاص الوحيد يكمن فى ضرورة تطبيق نفس المنهج التجريبى للعلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية ،سعيا للوصول إلى قوانين كلية يقينية ذات دلالة قريبة من الموضوعيّة ومن ثمّ الجذر من الانزياح نحو الذاتية وعدم الدقة في مجال الإنسانيات .لقد آمن الوضعيّون أنّ كلا منهما يخضع لنفس المعايير المنهجية و مؤشّراتها الإجرائيّة من الاستدلال والشرح، ورأوا أن الحقائق الاجتماعية مثلها مثل الحقائق الفيزيقية، واقعية وعملية ومن ثمّ قابلة للقيس والتكميم للخروج بنتائج ذات دلالة ومصداقيّة.

ووفقا لهذا يكون تشخيص الفشل الذي تعانيه العلوم الاجتماعيّة وفق عبارة دلثي كامنا في "أنّ دراستها و تقييمها للظاهرة التاريخيّة لم يقم على أساس من الصلة بتحليل حقائق الوعي، و لم يكن من ثمّ مؤسّسا على معرفة يقينيّة هي ملاذها الأخير.لم يكن للمدرسة التاريخيّة...أساس فلسفي و لم تنشأ لها علاقة صحيحة بنظريّة المعرفة و علم النفس.و لهذا فشلت في تطوير منهجها.وهذه هي نقطة البدء في تأسيس دلثي للإنسانيّات، وهي إقامتها على أساس معرفيّ و أساس سيكولوجي"[37]

وخصوصيّة منهج التأويل النفسي تكمن في اعتماد دلثاي على بيوغرافيا المؤلف أو لنقل إضبارة ماضي تملّكاته، والمتمثّلة في حياته الفكرية والعامة والدوافع،والحوافز التي دفعته للتعبير والكتابة،فهو يموقع الأثر أي النص ضمن حدّين : الحدّ الذاتي والمتمثّل في سياق حياة المؤلف، والحدّ الموضوعي وهو السياق التاريخي الذي ينتمي إليه. ‏يتجاوز "دلتاي"   صرامة المنهج عند شليرماخر،ليركز جهوده على مفهوم التجربة، فهو يميز بين نوعين من التجربة:‏

-التجربة المعيشة، التي استعملها في وصف علوم الفكر أو العلوم الإنسانية.‏

-التجربة العلمية، التي تخص علوم الطبيعة وهذه التجربة تتمتع بطابع "العلمية"، الذي يجعل من التجربة المعيشة والتجربة الممارسة وجهين لنفس الحقيقة،وبطابع الجدلية والتاريخية.[38]

‏يواجه دلتاي مشكلة فهم تجربة الآخر باقتراحه لمفهوم الفكر، أو الروح كسياق معياري وعام، يجمع الأفراد حول حياتهم الخاصة، ومن ثم تاريخ حياة الفرد لا يتماشى وفق محور أفقي، يدمج إطاره الاجتماعي والتاريخي.‏

ودلتاي بذلك قد أنزل الفكر في مفهومه الهيجلي من السماء إلى الأرض، ليدل لا على المعرفة المطلقة والمتعالية على التاريخ، وإنما على معرفة تاريخية متعلّقة بإحداثيّات زمانيّة ومكانيّة ومتجذرة في تجربة الحياة: فالفن والدين والفلسفة والعلوم والمنطق، ليست معارف أو أشكال معرفية مذابة في معرفة مطلقة ومغلقة،و إنما من تجارب حيوية واستعمالات تعبر عن الطابع الخلاق للحياة وتجليات الفكر التاريخي، وهو ما يعني التخلّص من وضع الحضور إلى وضع الغياب ومن منهج المطابقة إلى منهج الاختلاف.وعليه تكون الهرمينوطيقا في هذا السياق الذي أحدثه دلثي عمليّة فهم متغيّرة حاملة لبذور التبدّل، لأنّها ليست مجرّد فعل تعرّف عقليّة بقدر ما هي مواجهة تفهم فيها الحياة نفسها [39] ومثل هذا التوجّه يقضي برفض فكرة المعنى الثابت لأنّ الكلام و رفيقه الفهم ينبعان من منطقة تتسم بالاختلاف والتعدّد، بالنظر إلى أنّ المتلقّي ليس هو المؤلّف، فهو وإن كان يوجد فيه ولكن من موقعه هو المغاير له، ووفق هذا الضابط نشهد نسقا تأويليّا يرفض التطابق و الاختزال.

مارتن هايدغر وهانز جورج غادامير

يسعى غادامير إلى بيان إمكانيّة التأويل الصحيح من خلال التأكيد التداخل بين الموضوعيّة الذاتيّة، فالموضوعيّة وإن كانت تسعى إلى تحييد التحيّز و الذاتيّة.فعلى الرغم من أنّ الموضوعيّة تستبعد الذاتيّة إلاّ أنّه عمل على تنسيبها من خلال قوله بأنّ الموضوعيّة نابعة من فهم ذاتي للمعرفة الإنسانيّة، وهكذا يكون غادامير قد غادر حيّز التمييز بين المصطلحين، ويتبنّى نظرة جديدة يقدّمها في شكل ممارسة لعبة ما، مثل هذا الانخراط الحيوي في اللعب يفقد منطق التباعد بين اللعبة و اللاعب، و يوقع منطق التداخل بين المكوّنات، فاللعبة تغدو أداء و ليست مادة أو موضوعا، ويغدو التأويل متخارجا من الداخل، من حيث أنّ الذات منتمية ومشاركة في تشكيل معالم اللعبةوصيرورتها، ويصبح تأويل الموروث التاريخي من الداخل أمر لا مفرّ منه، فالفهم يبدأ دائما ضمن أفق الفهم المسلّم به مسبقا وكذلك ينتهي داخله [40]

يعد التيار الظاهراتي لدى هوسرل وأتباعه من أهم المصادر، التي أثرت بعمق في فلسفة غادامير.ولكن ما من شك في أن هيدجر كان له التأثير الأعظم على فلسفة غادامير، بحيث أنه يمكن القول بأن فلسفته قد اتسمت بطابع فينومولوجي على طريقة هيدجر.وفق هذا التمشّي لا يزعم غادامير أن هرمينوطيقيّته تسعى إلى تأسيس أعراف التأويل الحقّ بل هي مسعى منه قصد بيان الشكل الذي به نحقّق فهم النصوص، و لكن هذا الفهم الزمني-التاريخي، لا يرقى إلى درجة المعنى الثابث العابر لمكوّنات التاريخ والسلامة من حرجه وتأثيراته، فالمعنى يبقى ذا دلالة موقوتيّة بالنظر إلى ارتباطه بحدود أفق القارئ المنخرط في سيرورة التاريخ، فالإلمام أو القبض على المعنى في دلالته الحديّة يبقى مرجأ، لأنّ المعنى في كماله لا يحضر تماما في الوعي، و لكن يبقى جانبا منه غائبا قصد الإبقاء على حيويّته في التاريخ اللاحق [41]

في طريق الختام

لعلّ أبرز ما يمكن بيانه أنّ الهرمينوطيقا في تاريخها الحركي الحيوي قد انطلقت من فرضيّة البحث عن القوانين والمعايير المفضية إلى التفسير الصحيح و السليم و من ثمّ العصمة منالوقوع في الخطأ، و لكن هذا التاريخ الدوراني قد انتهى بها إلى وضع نظريّة في تفسير النصوص الأدبيّة، و لكن بين الانبثاق و الممارسة المعاصرة نجد التفاتة ذات دلالة إلى المتلقّي –المفسّر المعالج للنصّ، وهو التفات أرسى معالم جدليّة المتلقّي مع النصّ في غياب صاحب النصّ أو المؤلّف، وهو توجّه يدعو إلى تحرير الدلالة وهجرتها من وضع الملكيّة للمؤلّف إلى وضع مشاعي يتقيّد بضوابط المفسّر و تأويلاته، وهو فعل يفقد صفة الثبات و يبقى على مفهوم الهجرة والنسبيّة والتعدّد والاختلاف والمغايرة والغياب، من دون رسوّ أو ثبات إنّه ينأى بنفسه عن الوقوع في حيّز، إنّه ينشد الحريّة أو التيه. ولكن مثل هذا التأسيس لمشاعيّة الفهم في النصّ الأدبي-البشري، إن تعدّى إلى النصوص الدينيّة ألا يعدّ ذلك بوّابة لامتلاك النصوص الإلهيّة وإنزالها إلى أرض التاريخ والعمل على تغييب متعمّد لمنشئها قصد الدفع بالدلالة الإلهيّة نحو الانزياح إلى الكون الإجرائي المكوّن من ضوابط و معايير ترفض الرسوّ وتنأى بالدلالة عن الثبات وهو ما يعني حاكميّة القارئ في نصّ الإله، وانصياع أحكام الشريعة لخصوصيّة واقع القارئ وإكرهاته، ومن ثمّ يغدو الحكم مرتهنا بحاجة الواقع، وهو ما يعني انقلابا في التوجيه، من وضع التوجيه الإلهي إلى التوجيه البشري.

ببيليوغرافيا مقترحة

بالغة العربيّة

-بارت رولان: لذة النصّ، ترجمة منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،حلب: سورية، ط1،1992

-التوحيدي أبو حيان : الإمتاع والمؤانسة،تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت،1953 .‏

-الجاحظ أبو عثمان : الحيوان،تحقيق عبد السلام هارون،دار الجيل،بيروت،ط2، 1992 .‏

-جادامير هانزـ جيورج : تجلّي الجميل ومقالات أخرى،تحرير روبرت برناسكوني،ترجمة ودراسة وشرح سعيد توفيق،المجلس الأعلى للثقافة،القاهرة، 1997 .‏

-أبو زيد نصر حامد: إشكـالـيـات القراءة وآلـيـات التأويـل،المـركـز الثقـافـي العربــي،الدار البيضاء/ بيروت،ط5،1999 .‏

-صفدي مطاع: استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية،مركز الإنماء القومي،بيروت/ لبنان،ط1،1986 ‏

- طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة:1 ـ الفلسفة والترجمة،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء/ بيروت،ط2،2000 .‏

-طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة : 2 ـ القول الفلسفي (كتاب المفهوم والتأثيل)، المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء/ بيروت،ط1،1999

-طه عبد الرحمن: اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت،ط1،1998.‏

-العريصة مصطفى: الترجمة والهرمينوطيقا، منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير/ المغرب،1999،ص ص71،82 .‏

-كوش عمر: أقلمة المفاهيم (تحولات المفهوم في ارتحاله)، المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء/ بيروت،ط1،2002 .‏

-مزوز محمد: أزمة الحداثة وعودة ديونيزوس، مجلّة «فكر ونقد»،الرباط/ المغرب، ع21، س3،1999. ص ص15،28 .‏

 

باللغة الفرنسية :‏

-Barthes Roland, Le plaisir du texte, Collection«Points Essais», Paris,?ditions du seuil , 1982.

-Barthes Roland, S/Z, Collection «Points Essais», Paris,?ditions du Seuil, 1976.

-Derrida Jacques, De La Grammatologie, Paris,Les ?ditions De Minuit,1967.

-Dupuy Bernard, Herméneutique, in: Encyclopaedia Universalis, Corpus11, France S.A.2002.

-Eagleton Terry, Critique et théorie littéraires (Une introduction) ,Traduit de l'anglais par Maryse Souchard avec la collaboration de Jean François Labouverie, Paris, P.U.F, 1ére édition, 1994.

-Gadamer Hans-Georg, Vérité et Méthode, Les grandes lignes d'une herméneutique philosophique, édition intégrale revue et complétée par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Paris,édition du seuil,1996.

-Gadamer Hans-Georg, La philosophie herméneutique, Traduction et notes par Jean Grondin, Paris,P.U.F, 2éme édition, 2001

-Grondin Jean, L'universalité de l'herméneutique, Paris,P.U.F, 1993.

-Jauss Hans Robert, Pour une herméneutique littéraire, Traduit de l'allemand par Maurice Jacob, Paris,?ditions Gallimard, 1988 .

-Lalande André, Herméneutique, in: Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris,P.U.F, 18éme édition,1996

-Pépin Jean, L'herméneutique ancienne, in: Poétique, N023, Paris,?ditions du Seuil, 1975

-Tamine Joëlle Gardes, Marie Claude Hubert, Dictionnaire De critique Littéraire, Paris, Armand Colin, 2002 ?

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الحبابي (محمّد العزيز)، من تأريخ الفارابي إلى تاريخيّته، مجلّة دراسات فلسفيّة و أدبيّة، السلسلة الجديدة، عــ1ـدد، 1976-1977 ، دار الكتاب، الدار البيضاء-المغرب، ص 99.

* يفرّق الحبابي بين ثلاثة مصطلحات وهو تفريق قائم على مؤشّر الوظيفيّة: 1.تأريخ  histoireمصدر أرخ أي دوّن أحداثا أو أفعالا أو مغامرات...و تمتاز تلك الأحداث بأنّها جديرة بالذكرى...عبر جعلها موضوعا للبحث و كأنّه تحفة ثمينة بمتحف قومي أو عالمي ، تعرض للمتعة البصريّة. 2.التآريخ L'Histoire مجموع الأحوال المتغيّرة التي يمرّ بها العالم أو كائن من الكائنات...فلكلّ أمّة مجموع أحداث تمرّ بها في تطوّرها .3.التآريخيّة historicité وهو بديل عن التأريخ في معناه الاصطلاحي، من خلال التحوّل من الصنميّة المتحفيّة إلى حيويّة التوظيف، عبر الانتقال من وضع الشخص إلى فاعليّة آثاره ضمن سياق غير سياق نشأته، يبرز ذلك مقام الوعي باللحظات الثلاثة للزمن في تواصلها و تداخلها لا في انفصالها الماضي وهو يمضي و الحاضر المحاضر و الغد و لمّا يأتي.لمزيد التوسّع راجع لذات المؤلّف السابق:ورقات عن فلسفات إسلاميّة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء-المغرب، ص 100-101.  

** التاريخانيّة الجديدة New Historicism/Nouvelle Historicisme  تعتبر هذه الأخيرة إحدى الإفرازات النقديّة لمرحلة ما بعد البنيويّة، وفيها تجتمع العديد من العناصر التي هيمنت على اتجاهات نقديّة أخرى كالماركسيّة والتقويض، إضافة إلى ما توصّلت إليه أبحاث الأنثروبولوجيا الثقافيّة وغيرها. تجتمع هذه العناصر لتدعم التاريخيانيّة الجديدة في سعيها إلى قراءة النصّ الأدبي في إطاره التاريخي و الثقافي حيث تؤثّر الإيديولوجيا وصراع القوى الاجتماعيّة في تشكّل النصّ، وحيث تتغيّر الدلالات و تتضارب حسب المتغيّرات التاريخيّة و الثقافيّة، وهذا التضارب في الدلالات هو مما أخذته التاريخانيّة من التقويض"لمزيد التوسّع راجع: الرويلي(ميجان) و البازغي (سعد)، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، ط2 ، 2000، ص 45.

[2] ماكلين (إيان)، التأويل و القراءة، تر خالدة حامد،  مجلة أفق الثقافية، إبريل 2002

 [3] غازي (عز الدين)، الهرمينوطيقا أو علم تأويل الخطابات،  http://www.ahewar.org/debat/show.art.   

[4]  فالوثائق التاريخيّة تشير إلى أنّ هرمس  كان "ينقل الرسائل من زيوس كبير الآلهة وينزل بها من العالم السماء إلى مستوى البشر في الأرض فكان بالتالي خير وسيط بين عالم السر الغيبي وعالم العلن المرئي ولكنها ارتبطت أيضا بالتفسيرات الهيمورية (نسبة إلى الشاعر هوميروس) وكتابي العبارة وفن الشعر لأرسطو ،  ولكن محاورة أيون لأفلاطون هي أيضا من الينابيع الصافية التي نهل منها مؤسسي هذا الاختصاص النبيل الذي سمي منهج تفسير النصوص الدينية أو نظرية في التأويل أو فن في الفهم."" انظر : الخويلدي (زهير)، محاورة أيون الأفلاطونية أو الينبوع الفلسفي الأول للهرمينوطيقا،  http://www.ahewar.org/-الحوار المتمدن، وانظر أيضا :أفلاطون، محاورة أيون، ترجمة عادل مصطفي، مأخوذة من كتابه فهم الفهم،  مدخل إلى الهرمنيوطيقا،  رؤية للنشر والتوزيع،  القاهرة،  الطبعة الأولى،  2007.

[5]  المرجع السابق.

[6] Dès l'Antiquité, l'herméneutique désigne l'art d'interpréter (ars interpretandi),voir: http://www.universalis.fr/encyclopedie/hermeneutique/

[7]  الخويلدي (زهير)، محاورة أيون الأفلاطونية أو الينبوع الفلسفي الأول للهرمينوطيقا. مرجع سبق ذكره.

 [8] المرجع السابق.

[9] Dès l'Antiquité, les philosophes se sont intéressés au statut ambigu de cet art, qui recouvre aussi bien l'interprétation des œuvres poétiques que l'art divinatoire …http://www.universalis.fr/encyclopedie/hermeneutique/

[10]  بارة، (عبد الغني)، الهرمينوطيقا و الترجمة، مقاربة في أصول المصطلح وتحولاته، ، مجلّة الآداب الأجنبية فصلية، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق،  ع:133،  شتاء2008، ص 89-90.

[11]  راجع في هذه النقطة: أبو زيد (نصر حامد)، إشكاليّات القراءة و آليّات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت-لبنان، ط2/1992، ص 13. حيث يقول في مسار تناوله للمراحل المفصليّة للمصطلح: "ومصطلح الهرمينوطيقا مصطلح قديم بدأ استخدامه في دوائر الدراسات اللاهوتيّة ليشير إلى مجموعة القواعد و المعايير التي يجب أن يتّبعها المفسّر لفهم النصّ الديني (الكتاب المقدّس).

[12]  بن عبد العالي (عبد السلام)، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء-المغرب، ط2/2000/ص 29.

[13]  بن عرفة (عبد العزيز)، [ جاك دريدا] التفكيك و الاختلاف المرجأ، مجلّة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، بيروت-لبنان، عدد48-49، شباط 1988، ص72 .و تأكيدا لما ورد آنفا يضيف الكاتب:" إنّهم يصدرون عن وعي مماثل يعيد إليهم انسجامهم  و تطابقهم مع ذاتهم و بالتالي استقراريّتهم.وعيهم هو بالضبط أو يكاد يكون بالضبط أو يمكن أن يكون بالضبط...وعي ورثوه عن أسلافهم وهم طبقا، لذلك، لا يفتؤون ينتجون و يعيدون إنتاج شيء مماثل و مطابق لما وجدوه من قبل."المرجع السابق،  ص 72.

[14]  أبو زيد (نصر حامد)، إشكاليّات القراءة و آليّات التأويل، مرجع سبق ذكره، ص 13.

 [15] الرويلي(ميجان) و البازغي (سعد)، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، ط2، 2000، ص 47-48.

[16]  أبو زيد (نصر حامد)، إشكاليّات القراءة و آليّات التأويل، مرجع سبق ذكره، ص 13.

[17]  بارة (عبد الغني)، الهرمينوطيقا و الترجمة، مرجع سبق ذكره، ص 89.

 [18] بن عرفة (عبد العزيز)، [ جاك دريدا] التفكيك و الاختلاف المرجأ، المرجع السابق، ص 16.

[19]  لمزيد التدقيق نجد أن تاريخ الهرمينوطيقا يدفع بالمصطلح نحو آفاق لم تنشأ لها أصلا، من خلال جملة من الانزياحات وفق ضابط الترجمة بما هو خيانة تدفع بالقارئ إلى الإبداع لا مجرّد النقل: " وممّا تجدر الإشارة إليـه،  فـي هذا السيـاق،  هـو أنّ الهرمينوطيقـا Herméneutique فـي شكلها الحالي،  بوصفها أقدم اتجاه في التأويل اقترن ظهوره بتفسير النصوص المقدّسة والاتجاهات الفلسفية،  عرفت تطوراً منهجياً في القرن التاسع عشر،  قامت على أساسه،  فيما بعد،  معظم الجهـود في علـوم الفكر Sciences De L'esprit. بل إنّهـا، يضيـف غادامير، تجاوزت مهمتها الأصلية وانزاحت عن طابعها البراغماتي بوصفه غايتها الأساسية،  والتي تتمثّل، بالدرجة الأولى،  في تسهيل فهم النصوص الأدبية،  والفن عموماً،  بما في ذلك الإبداعات الروحية التي كان الاهتمام عليها منصباً في الماضي،  كالقانون،  والدين،  والفلسفة. فقد أضحى كلّ ذلك،  في ظلّ التحولات الجديدة،  غريباً عن معناه الأصلي هناك في أرض النشأة عند الإغريق،  حيث ارتبط بحس الاكتشاف،  ودور الوساطة،  التي تجسّدت كفعل تأويلي عندهم من خلال «هرمس Hermès رسول الآلهة إلى البشر" انظر المقال السابق لـ بارة (عبد الغني)، الهرمينوطيقا و الترجمة، ص 94.

[20]  Kelkel, (Arion Lothar), La légende de l’Etre, language et poésie chez Martin Heidegger (Libraries philosophique, Jean Vrin, Paris, 1980), p 186.

[22]  حنفي (حسن)،  تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهراتي وتطبيقه في الظاهرة الدينية، مكتبة النافذة،  ط1،  2006، ص 384.

[22] Dupuy ( Bernard), Herméneutique, in: Encyclopaedia Universalis, Corpus11, France S.A.2002. p.263.

 [23] تتضمن كلمة Herméneutique (بالإغريقية herméneutikè) في اشتقاقها اللغوي على كلمة "tekhnè" التي تحيل إلى الفن بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية. وبما أن الفن كآلية لا ينفك عن الغائية فإن الهدف الذي لأجله تجند هذه الوسائل والتقنيات هو الكشف عن حقيقة شيء ما. وتنطبق جملة هذه الوسائل على النصوص قصد تحليلها وتفسيرها وإبراز القيم والحقائق التي تختزنها والمعايير والغايات التي تحيل إليها. وعليه تعني herméneutique فن تأويل وتفسير وترجمة النصوص.والتأويل عبارة عن فن كما يذهب فريديريك شلايرماخر،  بمعنى طريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية؛والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما المطموسة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية هو ما يجعل فن التأويل يلتمس البدايات الأولى والمصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي وبرهاني وجدلي: "والفهم عندما يعمل لا يلغو فقط،  أي لا يقول رموزا، وإنما هو يؤول. أي أنه يبحث عما هو أول في الشيء، عما هو الأس والأصل. فهو يحفر في طبقات النصوص المترسبة والمتراصة (في ذاكرة التراث الإنساني) قصد الكشف عن حقائق دفينة وغابرة وفتح أقفال الكنوز المطمورة. بهذا المعنى حفريات فوكو وتفكيك جاك دريدا عبارة عن فلسفة في التأويل. انظر:عبد العظيم (حسني إبراهيم)، الهرمينوطيقا والوعي التاريخي،   http://afaksocio.ahlamontada.com/t329-topic

 [24] Grondin (Jean), L'universalité de l'herméneutique, Paris,P.U.F, 1993, pp.6, 7.

 [25] Pépin)  Jean), L'herméneutique ancienne, in: Poétique, N023, Paris, editions du Seuil, 1975, p.291.

 [26] بارة (عبد الغني)، المقال السابق، ص 93.

 [27] المرزوقي (أبو يعرب)، الدرس الثامن عشر، المسألة الثانية:مدلول الهرمينوطيقا العلمي، ضمن الموقع الإلكتروني:

   http://www.alfalsafa.com/dourous%2018.html

 [28] الرويلي(ميجان) و البازغي (سعد)، المرجع السابق، ص 48.

[29] أبو زيد (نصر حامد)، إشكاليّات القراءة و آليّات التأويل، مرجع سبق ذكره، ص 7.

[30] ماكلين (إيان)، التأويل و القراءة، المرجع السابق.

[31] عبد العظيم (حسني إبراهيم)، المرجع السابق. 

[32] أبو زيد (نصر حامد)، إشكاليّات القراءة و آليّات التأويل، مرجع سبق ذكره، ص 20.

[33]الصاوي (نادر)، مبادئ فلسفة الفهم وأسس العلوم الإنسانية عند دلتاي، منتدى آفـاق الفلســـفة والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا ،  يونيو 2009. http://afaksocio.ahlamontada.com/t329-topic

[34] أبو زيد (نصر حامد)، إشكاليّات القراءة و آليّات التأويل، مرجع سبق ذكره، ص 20.

[35] المرجع السابق، ص 21.

[36] المرجع السابق، ص 23.

[37] المرجع السابق، ص 25.

 [38] حفناوي (بعلي)، إشكاليّة التأويل و مرجعيّاته في الخطاب العربي المعاصر، راجع مقاله على الموقع الإلكتروني: http://www.startimes.com/f.aspx?t=29303328

[39] أبو زيد (نصر حامد)، المرجع السابق، ص27.

[40] الرويلي(ميجان) و البازغي (سعد)، المرجع السابق، ص 51.

 [41] هناك فكرة أساسية تكشف عنها الهيرمينوطيقا لدى غادامير، وهي أننا من خلال التفسير يتكشف لنا لا نهائية الفهم الإنساني، وأنه ليس هناك ذلك الفهم،  الذي يبلغ حد اليقين أو الاكتمال،  فالفهم يبقى دائماً فهماً مفتوحاً أو تحسين متواصل لمعرفتنا بالعالم. ولا شك في أن كتابه المعنون بهذه التورية البليغة "مهرجانات التفسير" يسير في سياق لا نهائية الفهم والتفسيرات المفتوحة على مختلف أوجه النظر؛ ففي مقالات الكتاب: تجلي الجميل الطابع الاحتفالي للمسرح الخبرة الجمالية والخبرة الدينية نجد غادامير في هذه المقالات وغيرها،  يستخدم مفهوم المهرجان أو الاحتفال،  ليشير إلى خبرة الجماعة المفتوحة على أصعدة شتى من الفهم.

راجع :حفناوي (بعلي)، إشكاليّة التأويل و مرجعيّاته في الخطاب العربي المعاصر، راجع مقاله على الموقع الإلكتروني: http://www.startimes.com/f.aspx?t=29303328

المصدر: مسلم أون لاين

 
إلياس قويسم
تاريخ النشر:2012-03-16 الساعة 00:07:46
التعليقات:1
مرات القراءة: 7969
مرات الطباعة: 689
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2017 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan